محمد بن محمد ابو شهبة

398

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

بينهما ، وليس هنا مجال تفصيل القول في هذا ، والذي اختاره الإمام السبكي في « الحلبيات » ، تفضيل خديجة ثم عائشة ، ثم حفصة ، ثم الباقيات سواء ، والذي أميل إليه ما ذهب إليه السبكي من تفضيل خديجة - رضي اللّه عنها - لأنها أول من امن بالنبي على الإطلاق ، وواسته بنفسها ومالها ، ووفرت له كل وسائل الراحة التي أعانته على تأدية رسالة ربه . وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن علي قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد » أي كل منهما خير نساء زمانها ، ورويا أيضا بسندهما عن أبي هريرة قال : « أتى جبريل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام ، أو طعام ، أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ، ومني وبشّرها ببيت في الجنة من قصب « 1 » ، لا صخب فيه ولا نصب » فقد أقرأها ربها السلام ، ولم يثبت ذلك لأحد من نساء النبي ، وكل ما ثبت للسيدة عائشة إقراء جبريل عليه السلام لها ، وقد وفرت السيدة الفاضلة خديجة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كل وسائل الراحة في دنياها ، فكان جزاء وفاقا أن يوفر اللّه سبحانه لها كل وسائل الراحة والنعيم في أخراها . وقد زاد الطبراني في رواية الصحيحين السابقة أنها قالت لما بلغها النبي عن جبريل سلام ربها : « هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام » ، وفي رواية النسائي بزيادة : « وعليك يا رسول اللّه السلام ، ورحمة اللّه وبركاته » وهذا الجواب يدل على فقهها ، ووفور عقلها ، وحسن أدبها ، رضي اللّه عنها . وأصرح من ذلك في الدلالة على تفضيلها على عائشة ما رواه ابن مردويه في تفسيره بسند صحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ،

--> ( 1 ) القصب : اللؤلؤ المجوف ، وفي اختيار هذا اللفظ إيماء إلى أنها حازت قصب السبق بإيمانها وفضائلها .